الشباب و الطموح و الإبداع .. بقلم مريم – ب

تعتبر مرحلة الشباب مرحلة انتقالية في حياة الفرد و فيها يقرر مصير حياته و يحدد توجهاته العلمية و الفكرية و المهنية ، و يكون في قمة عطائه فيساهم في تطوير ذاته و تطوير المجتمع ككل ، و يكون على أهبة الاستعداد لمواجهة معارك الحياة بحلوها و مرها ، و عليه فالشاب الناجح عموما نجد أنه شاب طموح ، طموحاته لا حجم و لا نهاية لها ، و على أساسه يمكنه أن يتصور و يبني مستقبله بيده و يجعله أكثر استقلالية و تطور، و الطموح هو عامل أساسي و ضروري في حياة الفرد لأنه يعتبر المحرك الرئيسي لأي عمل أو نشاط يقوم به الإنسان ، فإذا كان مستوى الطموح عالي فإنتاجية الفرد تكون جيدة ، و العكس صحيح فتدني مستوى الطموح يؤدي إلى انخفاض أو حتى عدم الانتاجية .

و حسب علماء النفس فإن الطموح لا يأتي من العدم، بل هو عبارة عن تداخل و ترابط العديد من العوامل الذاتية أهمها الوعي و تقدير الذات و معرفة قيمة و جوهر الهدف الذي يطمح إليه الفرد ، ضف إلى هذا كله هنالك عوامل أخرى خارجية ألا و هي التنشئة الأسرية ، مناهج التعليم و طرق التدريس، نظرة المجتمع و الانتقادات البناءة و الغير بناءة ، هذه العوامل و غيرها كلها تساعد على رفع أو خفض الطموح.

و يمكننا القول أن الطموح هو الذي يؤثر على سلوك الأفراد من أجل تحقيق هدف أو عمل أو حل مشكلة ما بالطريقة المناسبة و في الوقت المناسب، و من هذا المنطلق يكون الفرد قد شق طريقه إلى الإبداع ، فالإبداع هو تحقيق العمل بأعلى درجات المهارة في الأداء و يكون عمل ذو قيمة و فائدة للفرد و المجتمع ككل.

و مما لا شك فيه أن لكل فرد طموحاته و ميولاته و رغباته ، صحيح تختلف من شخص لآخر و من جنس لآخر و من سن لآخر، و لكن المجمع عليه عموما هو أنه في داخل كل واحد منا هدفا يطمح إلى تحقيقه مهما كان حجمه ، و لكن الاختلاف الموجود يكمن في أنه ليس كل الناس مبدعين _كل الناس طموحين و ليسوا كلهم مبدعين_و عليه فهؤلاء المبدعين مروا بمراحل و ظروف و تجارب حياتية أدت بهم إلى التفوق و الإبداع ، و أهم هذه الظروف هي الإصرار و العزيمة و عدم تقبل الفشل و الهزيمة بالرغم من كل العراقيل التي يواجهونها في ظل التهميش من جميع الجهات المسئولة، فكثيرا ما نجد شباب طموح لديه قدرات إبداعية و لكن نتيجة للتهميش لم يتلقى فرصة لإبراز مواهبه و إخراج ما في جوفه من طموحات و إبداعات إلى أرض الواقع و جعلها منفعة للجميع، و في المقابل هناك من عانى من مشكل التهميش و الانكسار و عدم تلقي الدعم اللازم إلا أنه أصر و اعتمد على نفسه و امكاناته البسيطة و كان عصاميا في تخطي العقبات و حقق ذاته و نجح أبدع في مجاله.

و من هنا سنسلط الضوء على بعض من أسباب الفشل في تحقيق الطموحات و أبرزها تلك الأسباب الذاتية النفسية المتعلقة بالفرد نفسه ، ففي كثير من الأحيان يعاني الشاب الطموح من عدم تقدير الذات و يعاني من نظرة نقص لنفسه على الدوام ، و كثيرا ما يردد جملة (أنا أريد و لكن لا أستطيع) و تتمركز هذه العبارة في ذهنه و يضعها في اللاشعور و تصبح مسيطرة عليه في كل أمور حياته ، فالشعور بالنقص و الدونية نحو الذات غالبا ما تؤدي بالفرد إلى كبت ما هو راغب في إظهاره وجعل هذا الطموح في صندوقه الأسود و يتناساه طرديا مع الوقت. كما أن تعرض الفرد للإحباطات المتكررة في حياته تجعله يخاف المغامرة و الخوض في تجارب حياتية جديدة.

كذلك من العوامل المؤدية إلى الفشل في تحقيق الأهداف هو عدم تلقي الفرد للدعم النفسي من المقربين له و بالأخص أفراد أسرته ، فمنهم من يسخر منه ، و منهم من يحطمه بجملة أو عبارة سلبية و قاسية و منهم يتهمه بالجنون و الغباء و أنه لا يستطيع تحقيق ما يتمنى و أنه يعيش في دوامة من الأوهام يستحيل تحقيقها.

و بما أن الطموح حالة نفسية يعيشها الفرد منذ الصغر أي تقريبا منذ دخوله إلى المدرسة ، فهذه الأخيرة لها دور فعال في التأثير على طموحات التلميذ و رفعها و تشجيعه على تحقيقها ، فإذا كانت المدرسة لا تولي اهتماما إلى موضوع كهذا فهنا الكارثة ، لأنها بهذا التجاهل و التسيب ستساهم في قتل العديد من المواهب و الأفكار و المشاريع التي يحلم بها شباب المستقبل.

ضف إلى هذا كله هناك سبب آخر لقتل الطموح وهو انعدام الدعم المادي ، و الذي يمثل محورا أساسيا في بلورة فكرة أو مشروع ما إلى حقيقة في أرض الواقع ، فهذا ما يؤدي بالشاب إلى الاستسلام و دفن طموحه و أفكاره و التخلي عنها.

و بالرغم من هذا كله إلا أنه هناك حلول و توجيهات و إرشادات يمكننا تقديمها لمساعدة الشباب على رفع مستوى الطموح لديهم .

فأولا وقبل كل شيء ، على الشاب الذي يطمح إلى شيء ما أو مشروع معين أن يتحلى بالثقة بالنفس،    و الصبر والقدرة على تحمل النتائج مهما كانت ، و يجب أن لا ينقص من شأن نفسه و حجم قدراته،     و عليه أن يتحلى بالقوة من أجل مواجهة العراقيل و المشاكل التي يصادفها ، كما أنه لا يجب أن يكون ضعيف الشخصية و يجعل من انتقادات الآخرين ذريعة ليبرر فشله و يتخلى عن هدفه، بل عليه أن يختار بعناية ما ينفعه من الانتقادات البناءة و أن لا يولي اهتماما كبيرا إلى ما يهدم و يدمر طموحه، كذلك يجب أن يبتعد عن كل شيء يعكر مزاجه و يؤدي به إلى الاضطراب و القلق و التوتر النفسي، التحلي الدائم بالقوة النفسية و استمدادها من أشخاص الذين سبقوه في المجال و يجعل منهم مصدر إلهام له، إقناع الذات و العقل الباطن بأن الطموح هو البوابة إلى التميز و النجاح و ليس مزرابا للفشل        و التراجع إلى الوراء، القناعة التامة بأنه لا مجال للتردد و الخوف ، يجب الاستمرار في التحدي         و الإصرار على إيجاد الحافز القوي الذي يؤدي به إلى تطوير نفسه.

إن للتنشئة الاجتماعية عامة و الأسرية خاصة دور فعال في جعل الفرد يحقق طموحاته ، لأن الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى في حياة الفرد و التي تؤثر عليه و على سلوكاته و قراراته ، فالأسرة المتوازنة و الداعمة للفرد و التي تشرف إشرافا سليما على حياته ستكون عاملا هاما في تحقيق الطموح ، فعلى الآباء بالدرجة الأولى أن يقدموا تحفيزات نفسية و معنوية و مادية لأبنائهم لتنمية روح المثابرة و التقدم نحو الأمام ، و لا يجب السخرية منهم و من اهتماماتهم و رغباتهم و يجب مشاركتهم مختلف نشاطاتهم اليومية و التقرب دائما منهم و معرفة مشاكلهم و مساعدتهم في حلها.

ضف إلى الدور الفعال الذي تلعبه الأسرة فهناك مؤسسة اجتماعية أخرى لها دور كبير و مهم جدا في رفع مستوى طموح الفرد ألا و هي المدرسة ، فمهمتها لا تقتصر على التعليم و تلقين المعلومات و حسب، بل تتعدى مهمتها إلى أبعد من ذلك ، فالمعلم بإمكانه اكتشاف المواهب و صقلها لتتحول في المستقبل إلى مشاريع و إبداعات مستقبلية، و ذلك يتم عن طريق القيام بالنشاطات الفكرية  الصفية           و اللاصفية، أو مسابقات علمية تنافسية بين التلاميذ في مختلف الأطوار التعليمية، و تقيم جوائز تشجيعية للتلاميذ على مختلف انجازاتهم العلمية.

و لا تقتصر مهمة اكتشاف المواهب عند التلاميذ على الأستاذ فحسب ، بل هي مسؤولية جميع التربويين الموجدين داخل المدرسة و من بينهم المرشد النفسي التربوي ، فهو الآخر له دورا هاما في كل هذا ، حيث يجب عليه التقرب أكثر من التلاميذ و التحدث إليهم و معرفة توجهات كل واحد منهم ومساعدتهم على رسم الطريق الصحيح للوصول إلى مبتغاهم، و ذلك عن طريق قيامه باختبارات و روائز نفسية       و إسقاطية ، كذلك من خلال الحوار و النقاشات الجماعية التي يتم فيها تبادل الخبرات ، و استخدام أسلوب المحادثة الودية مع التلميذ للكشف عن ما يجول بباله.

و في الأخير يمكننا القول أن الطموح مهما كان نوعه و مهما اختلف بين الأفراد ، و مهما ارتفع أو انخفض مستواه إلا أنه يبقى مرتبط ارتباطا وثيقا بتعاليم الدين و الثقة التامة بالله عزوجل و التوكل عليه، و كذلك له ارتباط وثيق بقيم و عادات المجتمع الذي نعيش فيه ، لهذا يجب دائما مراعاة و تكييف طموحاتنا معها.

و ما أجمل أن يحقق الإنسان ما كان يصبوا إليه طوال حياته بعد جهد نفسي و عقلي و عملي و فكري كبير و يصل إلى أعلى الدرجات الإبداعية ، فالحياة بدون هدف و حلم و طموح هي حياة لا معنى لها  و لا يمكن أن نرتقي فيها ، فدائما يجب التحلي بالأمل و العمل، و لا نفشل من أول زلة نقع فيها بل على العكس يجب أن ننهض أقوى بكثير من أول ، و أن نصوب سهام فكرنا و جهدنا نحو طموحاتنا    و آمالنا شرط أن لا نهمل جوانب أخرى مهمة من حياتنا ، بل يجب أن يكون هناك توازن حتى نستطيع مواصلة مشوار الحياة بسلام.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق