الشيخ عبد المتعال الصعيدى

الشيخ عبدالمتعال الصعيدى.. الإسلام إنسانياً.. أثبت بالدليل أن الإسلام كفل حرية الفكر والاعتقاد للمسلمين ولغيرهم.. وأثبت أن حد الردة دخيل على الدين.. وأن المرتد يستتاب ولا يقتل

قال إن الحركة الوهابية تدعى أن الإسلام انتشر بالسيف لأنها كانت دعوة دموية.. ولذلك أرادوا أن يجعلوا الإسلام دين عنف

أخذ على ابن حنبل الثورى تحريم زواج المرأة العربية غير العرب.. قائلاً إن هذا الرأى “عنصرية” لا تتناسب مع الدين الخاتم

لعلك تتساءل: ما الذى جعل المسلمين دائما يقفون فى موقف الدفاع عن دينهم مرة بالعقل، ومرة بالنقل، ومرة بالنفى، ومرة بالإنكار، ومرة بالصمت، ومرة بالهجوم، ومرة بالتبرير؟ ولعلك تتساءل: لمصلحة من يظل المسلمون لا يشغلهم شىء فى الحياة سوى الحديث عن الدين وموارده الأصلية وآراء العلماء المختلفة فيه، مشتتين بين المذاهب، ومتفرقين بين الآراء، مهلهلين بين النزاعات، متخلفين عن أسلافهم ومعاصريهم، مدحورين لا متقدمين، متقهقرين لا واثبين؟ ولعلك تتساءل: لمصلحة من أن تم اختصار الإسلام فى عدة أمور شكلية تستهلك طاقاتنا وتبدد أحلامنا، وتيبس عقولنا، وتجعلنا أسرى الكسل والخمول والوقوف والتردد؟ ولعلك تتساءل لماذا اتبعنا ثقافة الاحتياط ولم نتبع ثقافة الأصلح، رغم أن الثانية أولى بالاتباع، وفقاً لما جاء بصريح النص القرآنى والسنة النبوى المشرفة؟ ولعلك تتساءل أيضاً لمصلحة من أن تبقى صورة الإسلام فى الأذهان، وكأنها من الصور الغابرة التى عبرتها الإنسانية، رغم أن الإسلام فى حد ذاته كان من أروع أمثلة عبور الإنسانية للظلام؟ ولعلك تتساءل أيضا لماذا يصر البعض على أن يصور الإسلام باعتباره دين عنف لم ينتشر إلا بالسيف، مدعين أن الآية الكريمة “لا إكراه فى الدين” تم نسخها ولا يصح العمل بها، وفى ذات الوقت يقرون بأن القرآن صالح للتطبيق فى كل زمان ومكان، متمسكين بحديث الرسول “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم” رغم أنه من أحايث الآحاد التى تفيد الظن، ولا تفيد القطع، ورغم أنه يعارض الآية الكريمة تمام المعارضة؟ ولعلك تتساءل إلى متى سنظل هكذا يشغلنا الكلام عن الإسلام دون تطبيق تعاليم الإسلام، وتشغلنا الفروع والجزئيات دون الاهتمام بالأصول والكليات، ويشغلنا الحديث عن الشريعة دون البدء فى السير نحو مقاصد الشريعة؟ ولعلك تتساءل: لمصلحة من كل هذا؟.

كل تلك الأسئلة وأكثر هى ما شغلت الشيخ المجدد الكبير عبدالمتعال الصعيدى الذى نكاد نضيعه مثلما ضيعنا الإمام الليث ابن سعد من قبله، والإمام العز بن عبدالسلام، والإمام حسن العطار، والإمام محمد عبده، والإمام مصطفى عبدالرازق، والإمام محمود شلتوت، وغيرهم كثير من أئمة الفكر الإسلامى الكبير، وأعلامه المجددين، لنعود إلى مرحلة الطفولة الفكرية بعد أن قطعنا أشواطاً شاسعة فى التقدم بالإسلام وفى الإسلام وللإسلام ومن الإسلام؟ فللأسف قد أنتج الإمام عشرات الكتب والأبحاث المهمة، والتى تنهض بالمسلمين من قاع الدنيا إلى قمتها، وتبرئ الدين الإسلامى الحنيف مما يلصقه به المغرضون، لكن ما يطبع الآن من عشرات الكتب التى تتجاوز الستين كتابا هذه لا يتعدى عشر إنتاجه، فقد أنتج الشيخ ما يقرب من خمسين كتابا مطبوعاً، وعشرين كتاباً مخطوطاً أهداها كلها للأزهر الشريف، ولا نكاد نسمع عن تلك الكتب شيئاً، ولتعرف كيف نبدأ فى تضييع هذا الإمام المجدد الكبير، انظر فقط إلى اللغط الواقع حول تاريخ وفاته، فبعض الباحثين يرجعونه إلى العام 1966، بينما يرجح البعض أنه توفى فى عام 19،71 أى أن الفرق بين التاريخين ليس سنة ولا اثنتين، وإنما خمس سنوات كاملة، ولو كان هذا اللغط واقع حول شيخ فى عصر من العصور القديمة لهان الأمر، لكن من المؤسف أن يحدث هذا التخبط حول تاريخ وفاة “الصعيدى” فى عصر العلم والتدوين والبحث الدءوب، ما يدل على أن هناك من بيت النية لطمس أفكار هذا الرجل، وقتل أبحاثه المهمة الجادة التى دافع فيها عن ديننا بكل قوة، أمام طرفى التطرف سواء كان هذا التطرف علمانيا غربيا أو وهابياً إسلامياً.

ومن عمق المأساة.. لا يكاد الواحد يعرف عن الشيخ إلا أقل من القليل، فتذكر بعض كتبه الحديثة، أن اسمه عبدالمتعال عبدالوهاب أحمد عبدالهادى الصعيدى، وأنه من علماء الأزهر الشريف، وكان عضوا بمجمع اللغة العربية، ولا تغيب تلك الجملة أبداً عن كلمات التعريف به فتقول، إنه: واحد من أصحاب الفكر التجديدى بالأزهر، ومن المنادين بالمنهج الإصلاحى فى التعليم والفكر والتجديد الدينى، ثم تذكر تاريخ ميلاده ومنشأه فتقول إنه ولد فى 7 مارس عام 1894م بكفر النجباء، مركز أجا بمحافظة الدقهلية، والتحق بالجامع الأحمدى بطنطا، وحصل على شهادة العالمية فى عام 1918م، ودرس علم المنطق، وكان الأول على طلاب معهد طنطا فتم تعيينه مدرسًا بالجامع الأحمدى بطنطا، وفى عام 1932م انتقل للتدريس بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف بالقاهرة، كما تذكر من صفاته، أنه كان محبا للقراءة، وصاحب اتجاه أسموه “ثوريا”، لكى يعفو أنفسهم من الاقتناع به، برغم أنه يملك كل مؤهلات الاقتناع، ثم تستفيض ترجمته بشرح دوره فى البحث عن سبل إصلاح الأزهر، كما لو أن الرجل لم يكتب إلا كتابه الشهير “تاريخ الأزهر فى الإصلاح”، ولا يذكرون شيئاً عن مقالاته المتفرقة، ولا يقولون شيئا عن دوره فى الدفاع عن الإسلام ضد موجات الإلحاد التى انتشرت فى عصره، بفعل اكتشاف المسلمين مدى تدهورهم وتحكم رجال الدين فى أمورهم، بالمخالفة لتعاليم الإسلام التى تكفل كل أسباب التقدم والرقى.

إذن فالشيخ المجدد المصلح المتبحر فى دين الإسلام وتاريخه، ينتمى إلى هذه الطائفة من العلماء الذين لم يخشوا فى الله لومة لائم، مصارحين بآرائهم التى ظلموا من أجلها فلم ييأسوا وظلوا على حالهم، يقولون ما يؤمنون به، ويكتبون ما يرونه صالحا، فوسط الاختلافات والتنازعات الدينية الكثيرة، كان من الواجب أن نبحث عن منهج جديد فى دراسة التشريعات الإسلامية ونشأتها، لنفرق كما كان الشيخ يقول بين الإسلام والتراث الإسلامى، فالإسلام هو دين الله الخاتم الذى ارتضى لنا أن يكتمل به إيماننا، وهو دين السماحة والحب والحرية والعقل والتوحيد والرقى، أما الموروث الإسلامى من أحكام فقهية، وتفاسير، ومذاهب، فهو الناتج البشرى عن عملية تأويل الإسلام، بما يناسب العصر الذى تم إنشاء هذا الموروث فيه، وهو ما يعنى أن يتحرر المسلم من التقيد بهذا الموروث طالما لم يخالف كتابا معصوما، ولا سنة صحيحة يقينية متواترة.

العديد من المفارقات المؤلمة يرصدها الصعيدى فى كتابه “المجددون فى الإسلام” متحسراً على ما آل إليه حال المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، فيعلن استياءه من مغالاة البعض فى العبادات وتشددهم فيها، حتى يظن الواحد أن الإسلام دين عبادات فحسب، وهو الأمر الذى وصفه الشيخ بأن فاعليه “ابتدعوا رهبانية فى الإسلام” موضحاً أن الإسلام الحقيقى هو ما يصحبه الإنسان فى حياته كلها، فيرى باستنارته العالم، ويضرب الشيخ مثلاً باستنارة الصحابى الجليل عمر بن الخطاب فى أمور الدين معتبراً عمر بن الخطاب من المجددين، لأنه راعى التغيرات الاجتماعية فى أحكامه معطيا العقل مساحة أكبر فى التعامل مع نصوص القرآن والسنة، ولأن الشيخ كان دائم إعمال العقل، فقد أخذ على الإمام الشافعى قوله “كل قرشى غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس، فهو خليفة” وقال: إن من يأخذ حقه بالسيف يكون غاصباً. وإجماع الناس عليه بعد ذلك لايصح أنْ يُسوّغ ما وقع، لأنه يكون ناشئًا عن عجزهم” كما أخذ الشيخ على بعض الأئمة والتابعين آراءهم فى النكاح، حيث قال الإمام سفيان الثورى “إذا نكح المولى العربية يُفسخ النكاح”، ما يعنى أنه يحرم زواج العربية بالمصرى أو التونسى أو الشامى، لأنه فى نظره “مولى” أى ابن بلد من البلاد المفتوحة، وهو ذات الرأى الذى أقره الإمام أحمد بن حنبل، وهو ما اعتبره الشيخ “عنصرية” لا تتناسب مع تعاليم الإسلام، ولا آيات الكتاب، ولا سيما ما جاء فى سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.

فى ذات الكتاب يتحسر الصعيدى على ما وصل إليه المسلمون نتيجة اتباع القشور، وترك المتون، مقارنا بين حال المسلمين وأحوال غيرهم وقائلاً: “وبينما كان المسلمون يصلون فى الانحطاط إلى أسوأ حالاته، كانت أوروبا تطفر من عصر النهضة إلى العصر الحديث، لأنها ثارت على الثقافة القديمة لبناء ثقافة جديدة، وبينما كان الفقهاء المسلمون يتمسكون بالتقليد، كانت أوروبا تخطو نحو التجديد، ذاكراً حكاية دخول المطبعة إلى اسطنبول واعتراض الفقهاء على ذلك ،حتى حملهم السلطان بالإكراه على إصدار فتوى شرعية بجواز استخدام المطبعة، وهو ذات الأمر الذى وقع مع الملك عبدالعزيز آل سعود، حينما جاهد لإدخال التليفون، ولإنشاء محطة للتلغراف ، فقال له رجال الدين “يا طويل العمر لقد غشك من أشار عليك باستعمال التلغراف”، فقال لهم “لم يغشنا أحد. وليس هناك دليل أو سنة”، ولكن الإخوان المسلمين قطعوا الأسلاك الموصلة إلى قصره. لأنّ هذا من وجهة نظرهم منكر يجب إزالته شرعاً. وكذلك كانوا يرون الدراجات. وسموا الدراجة حين رأوها عربة الشيطان، أو حصان إبليس. وقالوا إنها تسير بقوة السحر وعمل الشيطان. وأنكروا الساعة الدقاقة، لأنها من عمل الشيطان. وكسروا أول ساعة وصلت إليهم. ومن رأيهم أنّ أهل الحضر ضالون.

وأنّ غزو المجاورين واجب ألقى عليهم من الله. وأنّ الملك عبدالعزيز يوالى الكفار، لأنه أرسل ولده سعود إلى مصر بلد الشرك. واستخدم السيارات والتلغراف، وأصدروا فتوى بهدم مسجد حمزة. ورضخ الملك لهم، فوافق على هدم المسجد وإلى تعطيل التلغراف. واعترضوا على تدريس الرسم واللغة الأجنبية والجغرافيا، لأنها تُقرر كروية الأرض ودورانها، ويذهب الشيخ فى كتابه إلى أن الحركة الوهابية تدعى أن الإسلام انتشر بالسيف، لأنها كانت دعوة دموية ولم تكن دعوة سلمية، ولذلك أرادوا أن يجعلوا الإسلام دين عنف ليكسبوا دعوتهم شرعية. قائلا إنّ الوهابيين كغيرهم من جمهورالمسلمين فى ذلك الوقت، كانوا يرون أنّ الإسلام لم يقم إلاّ بالسيف، فلتقم دعوتهم بالسيف أيضاً”.

ولكن الشيخ مع حرصه على التجديد الدائم للفقه الإسلامى، ودعوته إلى إعمال العقل حتى مع النصوص، فقد هاجم عميد الأدب العربى طه حسين بسبب كتابه “الشعر الجاهلى”، كما هاجم الشيخ على عبدالرازق بسبب كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، وألف كتابا فى الرد على كتاب اسماعيل أدهم “لماذا أنا ملحد؟” وأطلق عليه اسم “لماذا أنا مسلم؟” وهو كتاب صغير اتبع فيه نظام المحاورة بين شاب مسلم مستنير متسامح وقس يعمل مبشراً، وبنى قصة مفادها أن هذا الشاب قابل هذا القس فى القطار وتجاذبا أطراف الحديث، فأراد القس أن يبشره بالدين المسيحى فجادله الشاب بشكل علمى رصين، حتى اتفقوا على ميعاد ليتناظروا فيه، وتعدد المقابلات ليسأل القس ويجيب الشاب، عارضا من خلال هذا الأسلوب الدرامى البسيط، كل ما يمكن أم يقال طعنا فى الإسلام مع الرد العلمى المتسامح عليه، وجدير بالذكر هنا أن معظم المجددين الإصلاحيين، كانوا أول من تولى مسألة الرد على المستشرقين والمشككين ومقاومة موجة الإلحاد التى انتشرت مع دخول الاحتلال الفرنسى، ثم الإنجليزى إلى مصر، ولعل أكثر ما يميز هذه الردود هو انتهاجها للنهج العلمى فى الحوار، متبعين أصول الجدل المنطقى فكان لدورهم عظيم الأثر فى الحفاظ على الهوية الإسلامية ضد حملات التشويه والهدم.

ولعل أكثر ما أثار الجدل فى كتب الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، هما كتابا “الحرية الدينية فى الإسلام” و”حرية الفكر فى الإسلام”، وهما الكتابان اللذان يدفعان عن الإسلام شبهات الجبرية والإجبار والقهر، وأشد ما يميز هذا الكتاب كما جاء فى تقرير مجمع البحوث الإسلامية، أنه اتبع نفس أسلوبه مع الملحدين، فكان يعرض الرأى والرأى الآخر، ثم يوازن بينهما ويخرج بنتيجة يقبلها العقل ويقتنع بها، وكان سبب تأليف هذا الكتاب هو نشر مقال يقول فيه كاتبه أن المرتد عن الإسلام يقتل، فألف “الصعيدى” كتابه لينتهى إلى أن المرتد لا يُقتل، فتصدى لنقده عالم كبير من علماء الأزهر هو الأستاذ عيسى منون، عضو جماعة كبار العلماء وشيخ كليتى الشريعة والأصول بجامعة الأزهر، فأصدر الصعيدى الطبعة الثانية، وفيها كل ما قاله الأستاذ عيسى منون نقدا للكتاب، ثم رد الأستاذ عبدالمتعال الصعيدى على النقد، ليثبت وجهة نظره، وهو الشىء الذى مدحه الدكتور محمد رجب بيومى قائلاً: “إن هذا مما يحمد للأستاذ عبدالمتعال الصعيدى، حيث لم يشأ أن يُغرر على القارئ برأى جديد، دون أن يرجع إلى ما قيل عنه من قبل، كما يعرض صفحات كثيرة كتبها ابن حزم فى كتابه (الإحكام فى أصول الأحكام) وكلها تخالف اجتهاده، ورد عليها، وهو بما نقل عن الأستاذ عيسى منون والإمام ابن حزم، قد كشف الوجهة المخالفة لرأيه كشفا ساطعا، بحيث لا يحتاج قارئ إلى الرجوع إلى مصادر أخرى”.

ويقول الشيخ الصعيدى فى هذا الكتاب، إن حرية الاعتقاد أن يكون للإنسان الحق فى اختيار الدين، ولا يكون لغيره الحق فى إكراهه على ما يعتقده بأية وسيلة من وسائل الإكراه، وإنما يكون له حق دعوته إليه بالإقناع بدليل العقل، أو بالترغيب فى ثواب الآخرة، والتخويف من عقابها، ويستشهد الشيخ الصعيدى على الحرية الدينية فى الإسلام بالعديد من الآيات مثل: “من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد”، و”ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن”، و”ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم”، و”إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين”، و”ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”، و”لا إكراه فى الدين”، و” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، مؤكداً أن الحديث الذى يستند إليه بعض القائلين بوجود إقامة حد الردة، وهو “من بدل دينه فاقتلوه” يعد من أحاديث الآحاد التى تفيد الظن ولا تفيد اليقين، كما أنه يخالف النص التشريعى الأول فى الإسلام وهو القرآن الكريم، ويخالف ما تواتر عليه من عدم قتل المرتدة، وهو ما يعنى أن قتال المرتد لا يصح إلا إذا حارب المسلمين، وبرغم وجهة النظر هذه، فقد دافع الشيخ عن موقف الصحابى الجليل أبو بكر الصديق مما عرف بحرب الردة، وأيد هذه الحرب فى كتابه “القضايا الكبرى فى الإسلام”، لأن من حاربهم الصديق لم يخرجوا من الإسلام، وإنما أبطلوا أصلا مما بنى عليه الدين وهو “الزكاة” فكانت الحرب لمنع الزكاة والاعتداء على الدين ومخافة الفتنة، ولو سكت أبى بكر على هذه الحالة، فلم يكن من المستبعد أن يبطل قوم آخرون الصلاة، وآخرون الصوم، ومن ثم يأخذ كل واحد من الدين ما يرتاح له ويترك ما لا يرتاح له فيضيع الدين.

أما فى كتابه حرية الفكر فى الإسلام، فقد ذهب الشيخ إلى أن الإسلام يعد أول دين يتيح الحرية المطلقة للإنسان، وقد كفل للمسلمين أن يعارضوا الرسول دون أدنى خوف، وبالتالى فإن التضييق على الناس فى باب الحرية الفكرية لا يتفق وصحيح الإسلام، لأن التعسف فى الحرية هو صناعة بشرية خالصة لا علاقة لها بالدين، فالإسلام لم يغلق باب الاجتهاد على الناس، والمجتهد لا إثم عليه فيما اجتهد فيه ولو أخطأ طريق الصواب، ما دام أنه التزم بالمعايير والضوابط فى اجتهاده، قائلاً إن “الإسلام يعتمد فى دعوته على تفكر العقل، لأن فى الكون نظاماً عجيباً يدل على وجود خالق له، فيكون الإيمان به عن اقتناع بوجود هذا النظام العجيب فى الكون، وعن اقتناع بوجوب إسناده إلى خالق عالم مريد قادر على خلقه”، ومؤكداً على أن الإسلام لا يعارض فكرا ولا يضطهد علما قائلاً: “العلم كالتفكر، مطلوب أولا لذاته، فإنه إنما يصح الإيمان بطريقة لأنه هو الذى يوصل إليه عن حرية واختيار، وهما شرط فى صحة الإيمان ولا حرية ولا اختيار إلا إذا اتخذ العلم طريقا مطلقا، وسار الإنسان فيه بنفسه يهتدى بهديه وحده فإذا وصل فيه إلى الإيمان بالله فبتوفيقه له، ولا يصح إكراهه على شىء بلا تدبر أو تفكير، وإلا كنا متناقضين فى جعله مختاراً أولاً ومكرها أخيراً، وكان الذى يليق بدل هذا التناقض إكراهه من أول الأمر” “ولا يعقل أن يدعو الإسلام إلى التفكر والعلم ثم لا يعطى من يدعوه إلى هذه الحرية العلمية، حتى يكون هناك سلطان عليه لغير العقل والعلم، ولا يخشى فى هذا بأس حاكم أو رجل دين، وإنما يجتهد فى العلم فليطلق له السراح ليسير إلى الأمام ولا يرجع إلى الوراء بل وينهض بأمته فى دنياها ودينها”. وفى النهاية يؤكد الصعيدى على أن للعقل سلطة على النقل، وأن الإسلام فتح للعلماء باب الاجتهاد فى الدين، فأعطى للعقل سلطانه على دليل النقل، يستنبط منه ما شاء من أحكام الدنيا والآخرة، ويدخل فيه ما يلزم من التأويل ويدخل فيه ما يلزم من التخصيص والتعميم، ويدخل فيه ما يلزم من التقييد والإطلاق ويدخل فيه كل ما يلزم غير ذلك من ضروب الاجتهاد حتى يهيئه للحكم الذى يؤدى إلى ما اتفقا فيه من الغاية، وهو سعادة الناس فى دنياهم وأخراهم، وحتى لا يكون على الناس حرج فى الدين، لأن الدين يسر لا عسر”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *