أبوحامد الغزالى

حجة الإسلام.. أبوحامد الغزالى..المنقذ من الضلال.. قدّس العقل وجعله مساوياً للقرآن فى الإعجاز وقال إنه «أشرف الأشياء لأنه مركب الديانة وحامل الأمانة» وجعل منه قاضياً

قال إن من يحفظ الأحاديث النبوية ويرددها إنما هو «وعاء للعلم وليس عالماً».. وقال إن المتعصبين لمذهب أو شخص واحد أقرب إلى الكفر والتناقض

أفتى بتفضيل إطعام المساكين وإغاثة الضعفاء والمرضى وتسديد ديون المعدمين على الحج المتكرر وقال إن إدخال السرور على قلب المسلم أفضل من مائة حجة
يحبه المتصوفة ويضعونه فى مراتب الصديقين، ويبجله الفقهاء واضعين إياه فى المراتب الرفيعة، ويدرسه المتفلسفون ليستخلصوا من حكمه ومجادلاته فلسفة إسلامية خالصة، ويعشقه الناس لما رأوا فيه من حب لدين الله، وتفان فى سبيله، وشجاعة فى الذود عنه. هو واحد من أؤلئك الذين زخرت كتب التراث بأوصافهم وخلعت عليهم من الألقاب ما يجعل الواحد مجبرا على الالتفات إليه، فهو حجة الإسلام وهو زين الدين، وهو ناصر الدين، وهو محيى علوم الدين، وهو المجدد والفقيه والصوفى والعالم والفيلسوف والقاضى والناصح. يقول عنه العلامة الطرطوشى إنه اجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلم، ويشهد له الإمام ابن الجوزى بأنه وضع الكتب الحسان فى الأصول والفروع التى انفرد بحسن وضعها وترتيبها وتحقيق الكلام فيها، أما الإمام الذهبى فيقول إنه «أعجوبة الزمان، وزين الدين، أبوحامد صاحب التصانيف والذكاء المفرط»، أما الحافظ ابن كثير فيعتبره من أذكياء العالم فى كل ما تكلم فيه، وهو الفقيه الشافعى الكبير الذى يقول عنه الإمام العلامة السبكى إنه حجة الإسلام وجامع أشتات العلوم والمبرز فى المنقول منها والمفهوم، كما أنه ولى من أولياء الله الصالحين وأحد الصديقين، وقال عنه العارف بالله المتصوف الكبير أبوالعباس المرسى: أشهد له بالصديقية الكبرى، أما ابن النجار فيقول فيه إنه «إمام الفقهاء على الإطلاق، وربانى الأمة بالاتفاقو ومجتهد زمانه وعين وقته وأوانه».

أبوحامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزّالى الطوسى النيسابورى، الفقيه الصوفى الشافعى الأشعرى، الملقب بحجة الإسلام وزين الدين «450 هـ – 505 هـ» الذى اتفقت الأمة على أنه مجدد القرن الخامس بلا منازع، ولد فى خرسان ونشأ فى بيت فقير لأب يصنع الغزل، ويكد من أجل لقمة العيش، وأدى به الفقر والحاجة إلى إيداع ابنه الذى سيصير فيما بعد «حجة الإسلام» فى مدرسة تتكفل بتعليم الفقراء واليتامى وإطعامهم، لكن ها هو الفقير يغنى بالعمل، وها هو المحتاج يسد حاجة الأمة، فقد بدت عليه علامات النبوغ وسمات العبقرية وهو مازال شابا حتى قال له إمام الحرمين الإمام العلامة أبوالمعالى الجوينى حينما أعجب به: قتلتنى وأنا حى؟ هلا صبرت حتى أموت؟

ويمثل الإمام الغزالى ظاهرة نادرة فى الثقافة العربية، فنادرا ما ترى رجلا يجمع الجميع من مختلف المشارب والحقول والتخصصات على علمه وفضله وإخلاصه واجتهاده مثلما أجمع العلماء على أبوحامد الغزالى، حتى قال عنه شيخ الأزهر مصطفى المراغى إنه جملة رجال فى رجل واحد، كما يذكره أبوالأعلى المودودى ضمن الأعلام المعدودين الذين كان لهم دور بارز فى إحياء الدين وتجديده، وقال عنه الإمام محمد أبوزهرة إنه فى أصول الفقه فيلسوف بين الفقهاء، وفى فروعه محقق يتبع الدليل ولا يتبع الأشخاص. ولا يتوقف الإعجاب بشخصية الغزالى وعلمه عند رجال الدين والفقه فحسب، وإنما يتعداهم أيضا إلى رجال الأدب والفكر والفلسفة، فيقول عنه الأديب الفذ عباس محمود العقاد: «هو الفيلسوف الذى اكتملت له كل أدوات الفلسفة من القدرة على التجرد والقدرة على التجريد»، ويقول عنه عالم النفس أحمد فؤاد الإهوانى: «إنه مؤسس علم النفس الإسلامى»، كما يصفه الدكتور زكى نجيب محمود، رائد الفكر الفلسفى المصرى، بأنه «العملاق العظيم» ملخصا حياته بعد فترات الشك ووقوع اليقين بأنه وصل إلى القاعدة الأجمل «أنا أريد إذن أنا إنسان».

كل هذا التقدير وكل هذا الاحتفاء قديما وحديثا حازه «حجة الإسلام» وأكثر، ولعلنا الآن أحوج ما نكون للنظر فى حال شخصية كهذه، شخصية جمعت الجميع تحت لوائها، يدين له بالفضل المتفلسف متبع الفلاسفة والمتسلف متبع السلف على حد سواء، فهو الذى وصل إلى أصل العلوم وحكمتها، وهو الذى أبحر يبحث عن الحق فوجده حقا ورزقه الله اتباعه، بدأ من الشك فى الوجود والموجودات، ووصل إلى أعلى مراتب اليقين بالله وملائكته ورسله، ونحمد الله أن هذا العالم المعلم الخبير الحازم لم يولد فى عصر كعصرنا هذا، إذ ليس ببعيد أن يغتاله أحد المتطرفين إن لاقاه فى فترة شكه، فيحرم البشرية من هذا العلم الكبير والفضل الواسع.
إن أردت أن تعرف أبوحامد الغزالى حقا فانظر إلى جملته هذه حتى تدخل إلى عالمه، وتستوعب فكره، وتقتضى بنور إخلاصه فى السعى وراء الحكمة التى أتاها له الله وهو «يؤتى الحكمة من يشاء» إذ يقول الإمام حجة الإسلام
«لا أغادر باطنيا- يتبع المذهب الباطنى- إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا- يتبع المذهب الظاهرى- إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد فى الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته»، ويدلنا الاقتباس السابق على أن الإمام ما كان ليطرد أحدا من رحمته، ولم يكن يتعامل مع المختلفين عقائديا ودينيا ومذهبيا باعتبارهم «ملعونين»، ولكنه كان ينظر إليهم نظرة العالم المستوعب المستفسر السائل المجرب، يريد أن يعرف، والمعرفة هى أول طرق اليقين، كان ينظر إلى أفكارهم ولا ينظر إلى شخوصهم، ذلك لأن الفكر هو الباقى، والشخص هو الزائل، إن أحب فكرة هضمها وتقمصها واستوعبها واعتقد فيها، وإن استقبح فكرة جادلها وفندها بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو فى تقبله للآخر ومحاورته له يثبت ما قاله عنه الإمام «المراغى» من أنه عدة رجال فى رجل واحد، فقد أخذ من كل فكرة أحسنها، ووقف على سر تشتت الناس فجعله سرا لتجميعهم، وقديما قالوا إن «الليث عدة خراف مهضومة»، وإن أردنا تطبيق هذه المقولة على إمامنا فسنجد أن «الخراف» هى الأفكار التى استوعبها ودرسها وسمعها من أهلها، والنتيجة الطبيعية أن يصبح أبوحامد هو «الليث الموعود».

السؤال الملح هنا هو: ما الذى أوصل «حجة الإسلام» إلى اعتلاء هذه المكانة، وبلوغ هذه المنزلة التى جعلت الجميع يشيد به على اختلاف ألوانهم؟، والإجابة التى تجدها عند الإمام واضحة لا زيغ فيها هى «العقل».. نعم العقل هو معلم أمام المعلمين، وهو السراج الذى اهتدى بنوره، وهو الرسول الأبدى الذى أودعه الله فى كل واحد منا ليهديه إلى سواء السبيل، إذ لم يقدس الإمام الغزالى فى كل كتبه إلا الله والرسول والعقل، بل أنه يعليه على ما عاداه حتى أنه يعتبره القاضى، ويعتبر الشرع هو الشاهد فيقول: «أما بعد فقد تناطق قاضى العقل وهو الحاكم الذى لا يعزل ولا يبدل، وشاهد الشرع وهو الشاهد المزكى المعدل بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور ومحل تجارة لا سكن وعمارة»، بل إنه يرفع العقل إلى درجة لم يسبقه فيها سابق، حيث يقول: العقل هو أشرف الأشياء لأنه مركب الديانة وحامل الأمانة!
ويبرز الإمام دور العقل فى الإيمان بالله ورسله وآياته وقرآنه مازجا بين دور العقل ودور النقل، ومؤكدا أنه لا يستقيم أحدها دون الآخر، بل إنه يضع العقل فى مقابلة القرآن، ويشير لهما بأنهما «أصلين» كما لو كان يساوى بينهما فى إعجاز الله فى خلقهما، واعتماد البشرية عليهما، فيقول: «لا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن العقل، فالداعى إلى محض التقليد مع عزل العقل جاهل، والمكتفى بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين وكن جامعا بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية» ولا يكل الإمام ولا يمل من تكرار العبارات التى تدل على تقديسه للعقل البشرى، وجعله مساويا للتشريع، فيقول إن الشرع كنور الله والعقل كالعين التى تنظر هذا النور، ولا فائدة للنور من دون البصر، ولا فائدة من البصر من دون النور.

ويمضى الإمام ليفند حجج من يدعون أن الدين لا يقبل إعمالا للعقل فيقول: «وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية، وأن الجمع بينهما غير ممكن، وهو ظن صادر عن عمى فى عين البصيرة نعوذ بالله منه»، بل يتمادى الإمام فى الهجوم على هؤلاء ويعتبر من يدعو إلى تعطيل العقل فكأنما يدعو إلى الكفر، مؤكدا أن العقل هو سبيل الإيمان وغلقه هو سبيل الانسلال من الدين، فيقول: «بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض، فيعجز عن الجمع بينهما، فيظن أنه تناقض فى الدين فيتحير به، فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين».

ولا يحارب الإمام شيئا مثل محاربته تعطيل العقل، إلا آفة التقليد التى أصابت المجتمع الإسلامى، فتاه الناس بين المذاهب والتفريعات والتفصيلات التى أغرقت الحياة الاجتماعية بالمنازعات البالية، مستنكرا أن يقلد مسلم رجلا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن الصحابة لو قلدوا فيكون تقليدهم بما أدركوه من معرفة وسماع لرسول الله، وبهذا يصبح تقليد الصحابة هو تقليد لرسول الله، ولا يكتفى الإمام باستنكار تقليد أحد إلا الرسول، بل يأمر من يقلد رسول الله بألا يقلده دون علم واستبصار، فيقول: وينبغى على المقلد لرسول الله «أن يكون حريصا على فهم أسراره» موجبا على المؤمنين أن يبحثوا «عن أسرار الأعمال والأقوال لا منطوقها فحسب، مؤكدا أن من يحفظ الأحاديث النبوية ويرددها إنما هو «وعاء» وليس عالما، لأنه «لا يسمى عالما إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار»، ولا يتورع الإمام من إظهار ضيقه وملله من «المقلدين» ويعتبرهم «قاصرين»، مطالبا إياهم بالسكوت قائلا: «وشرط المقلد أن يسكت، ويسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج»، أى تبادل الحجج والمناقشة، ويرصد الإمام ظاهرة أن المقلدين هم أكثر الناس تعصبا وتجمدا، ويكتب هذا بلغة تكاد تتطابق على بعض المنتسبين للإسلام الآن، فيقول: «المقلد يقلد مذهبا سمعه وجمد عليه، وثبت فى نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع، من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة»، مؤكدا أن المقلدين يحرمون أنفسهم من الاستمتاع بنور برق المعرفة، ساجنين أنفسهم فى ضيق مذهبهم، متخيلين أن المعرفة «من غرور الشيطان»، فيبتعدون عنها بفعل شيطان جديد يطلق عليه اسم «شيطان التقليد» لشيخ واحد أو مذهب واحد يتعصب له ولا يسمع إلاه، مؤكدا أن هذه الحال هى إلى الكفر والتناقض أقرب منها إلى الإيمان والتناغم.

ولنا أن نعرف مدى ضيق الإمام بالمقلدين المتعصبين إذا لاحظنا آخر كلمة فى الفقرة السابقة، إذ يقرر الإمام أن هؤلاء المتعصبين «أقرب إلى الكفر» وهذا الوصف هو أقصى ما يستطيع الإمام أن يرمى به إنسانا، وهو الذى عاش يحارب فكر التكفير بكل قوة وحجة، يحرم أن يتم تكفير أحد يقول لا إله إلا الله، وكانت قد انتشرت فى عهده ثقافة التكفير وكل طائفة تكفر الأخرى بلا أدنى امتعاض، فأطلق الإمام صرخته قائلا: «إنه لا تكفير لكل من يشهد بأنه لا إله إلا الله»، مؤكدا أن «الخطأ فى ترك ألف كافر فى الحياة أهون من الخطأ فى سفك محجمة من دم مسلم»، ولا يتحسر الإمام على شىء قدر تحسره على انتشار ثقافة التكفير بشكل سرطانى فى المجتمع المسلم، فيقول: «الحنبلى يكفر الأشعرى زاعما أنه كذب الرسول فى إثبات الفوق لله تعالى، والأشعرى يكفره زاعما أنه مشبه، والأشعرى يكفر المعتزلى زاعما أنه كذب الرسول فى جواز رؤية الله تعالى، والمعتزلى يكفر الأشعرى زاعما أن إثبات الصفات تكذيب للرسول فى التوحيد»!

ولم يحارب الإمام المقلدين للسلف بغير علم فقط، بل ألّف المؤلفات فى الهجوم على الفلاسفة والباطنية وكل من يخلط الإسلام بغيره من العلوم الدنيوية، وفى ظل سجالات طويلة ومعارك شهيرة لعل أشهرها ما وقع بينه وبين ابن رشد، حينما أصدر الإمام «تهافت الفلاسفة» فأصدر ابن رشد «تهافت التهافت»، لكن برغم تلك الحرب الفكرية الشهيرة لم يعترض على الفلسفة من حيث هى مبحث مستقل بذاته من مباحث التأمل والتفكير والعلوم، ولكنه غضبته الكبرى كانت ضد من يحاول أن يخلط الفلسفة بالدين وهما من منبعين مختلفين لا يجوز لأحدهما أن يمتزج بالآخر، لكن على الرغم من هذه الحرب فإن الإمام الغزالى نفسه أصبح فيلسوفا كما قال عنه أحد المستشرقين، ذلك أنه بدفاعه عن الإسلام ضد المدخلات الفلسفية بمنطق الفلاسفة بنى فلسفته الخاصة التى ميزته عن أقرانه.
ومن ضمن الفئات التى حمل عليها الإمام حجة الإسلام، العلماء والأمراء، وذلك لأنه لاحظ تفشى ظاهرة علماء السلطان الذين يستعين بهم السلاطين والملوك على الفساد والإفساد، قائلا: «أما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، ولو صدقوا وقصدوا الحق لأفلحوا»، ويصل إلى الحد الأقصى فى الهجوم على العلماء، محملا إياهم مسؤولية انهيار المجتمعات، قائلا إن فساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء،

وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والرؤساء؟!، وتصديقا لهذا المنطق السوى الذى يرفع من شأن العالم على ما سواه حفظ التاريخ الكثير من المواقف المشرفة للإمام الغزالى فى وجه أمراء عصره، منها موقفه مع السلطان سنجر السلجوقى الذى قال له: أسفا.. إن رقاب المسلمين كادت تنقض بالمصائب والضرائب، ورقاب خيلك كادت تنقض بالأطواق الذهبية.
وبرغم صوفية الإمام وانشغاله بتجديد الفكر الإسلامى وتنقيته من الشوائب، فإنه كان كما يقول فقهاء عصره «إمام الفقهاء»، لكن منهج الإمام فى فقهه ابتعد عن المعنى المتداول عن الفقه من حيث هو إسراف فى التفصيلات، وتقييد بالجزئيات، وبرغم أن للإمام كتبا فقهية سارت على النحو النمطى، لكن يجمع الكثير من العلماء والمتخصصين على أن شذرات فقهه المنسابة فى كتبه خاصة «إحياء علوم الدين» أصدق فى تعبيرها عن فقه الإمام، فهو مثلا فى فقه العبادات يرى أن الوضوء قبل أن يكون تطهيرا للخارج فهو تطهير للداخل، وفى فقه المعاملات يدل الناس على الطريق القويم، والمنهج العام الذى إذا ساروا فيه ربحت تجارتهم بأن يحسنوا النية ويحدوا أنفسهم عن الطمع، محذرا إياهم من أن يستغنوا بسوق الدنيا عن سوق الآخرة.

ويضع الإمام فى كتبه ما يمكن أن نطلق عليه اسم «فقه الأولويات» فنجده يقر بأنه إن استحالت الواجبات كلها فيجب على المسلم أن يرتبها حسب الحاجة إليها، فنجده مثلا يقول: تقدم الفرائض على النوافل، وتقدم فروض الأعيان على فروض الكفاية، ويقدم فرض الكفاية الذى لا قائم به على ما قام به غيره، ويقدم الأهم من فرض الأعيان على ما دونه، وتقديم ما يفوت على ما لا يفوت. ويتخذ من حديث رسول الله عن تفضيل الأم على الأب فى الصلة، فيقول: «ينبغى على الإنسان أن يبدأ فى الصلة بالأقرب، فإن استويا فبالأحوج، فإن استويا فبالأبقى»، ولا يتورع الإمام الذى رأى الفقراء يموتون جوعا ومرضا فى الإفتاء بتفضيل التصدق على الفقراء بأموال الحج إن أدى الإنسان الفرض، قائلا إن الأفضل لمن يحج وينفق ألفى درهم أن يسد دين مدين، أو يكفى فقيرا عن التشرد، أو يغنى عائلا عن السؤال، أو يفرح من يربى اليتيم، قائلا إن إدخال السرور على قلب مسلم أو إغاثة لهفان أو كشف الضر عن إنسان وإعانة الضعيف أفضل عند الله من مائة حجة بعد حجة الإسلام. كما حارب الإمام الأغنياء البخلاء الذين «يمسكون الأموال بحكم البخل» ثم يشتغلون بالعبادات البدنية كالصيام والقيام وختم القرآن، قائلا إنهم «مغرورون مخدعون»، كما أمر الإمام بترك نافلة الحج والعمرة إذا غالى أمير مكة فى فرض الضرائب على الحجيج، أو زاد فى رسوم الحج والعمرة، قائلا إن الحج هنا يصبح إعانة لهم على الظلم والانقياد لهم، ويجعل المسلمين فى موقف الذل وكأنهم يبذلون جزية.

ولننظر بعد ما عرفناه من علم الإمام وفضله على الإسلام والمسلمين إلى مقولته الخالدة التى تعكس إيمانه القوى، وتواضعه الجم، لنقف على أهم مميزات هذا الرجل الذى أصبح علامة مضيئة فى تاريخ الإنسانية، ومع ذلك يقول إنه مازال محتاجا إلى الاتعاظ قبل أن يعظ الناس، فقد قيل له: لماذا لا تكثر من الوعظ؟، فقال: أما الوعظ فلست أرى نفسى أهلا له، لأن الوعظ «زكاة» نصابه «الاتعاظ»، ولا يخرج الزكاة من لم يبلغ النصاب.

موضوعات متعلقة..
عمر بن الخطاب
الإمام على بن أبى طالب
زيد بن على زين العابدين
الإمام جعفر الصادق
الإمام الأعظم أبوحنيفة النعمان
الإمام مالك
الإمام المصرى الليث بن سعد
الإمام الشافعى
الإمام أحمد بن حنبل
الإمام الهادى
ابن حزم الأندلسى
أقضى القضاة الإمام أبوالحسن الماوردى

اليوم السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *