الإمام مالك

الإمام مالك.. فقيه المدينة وراعى مصلحة المسلمين..رغم علمه الغزير كان يكثر من الرد على أسئلة الناس قائلا: لا أدرى.. وكان يقول مستنكرا: إنى بشر أخطئ وأرجع وتكتبون كل ما أقوله!

– أفتى بعدم جواز صيام «الستة البيض» ورفض الحديث الداعى لصيامها.. وأقر بحق الزوجة فى الطلاق إذا لم ينفق عليها زوجها
– عذبه والى المدينة فى أيام الخليفة المنصور لأنه لم يكتم حديثا للرسول [ «ليس على مستكره طلاق» الذى يحل فيه الرسول للواحد التحلل من يمينه

ما إن يذكر الإمام مالك حتى نتذكر تلك المقولة الشهيرة: «لا يفتى ومالك فى المدينة»، ويشير هذا القول المأثور على تمتع الإمام مالك بن أنس المحدث والفقيه بمكانة عالية جعلته إمام مدينة رسول الله ومفتيها الأول وفقيها العالم ومحدثها المدقق الدقيق الثقة، مكانة مالك فى المدينة جعلته مضرب الأمثال، فصارت غاية كل من يتقن وظيفته ويجود صنعته وينال الشهيرة والصيت بسبب امتلاكه لزمام تخصصه أن يكون كـ«مالك فى المدينة».

لم تكن شهرة الإمام وكثرة تابعيه ونمو مذهبه وانتشار مذهبه من فراغ، فهو الذى عاش حياته ينفق جل عمره فى التوسع فى العلم واستزادته، لم تمنعه حاجة ولا يحول الفقر بينه وبين تحصيل العلم، فظل يجاهد فى سبيل التحصيل والدراسة متقلبا بين حلقات الدرس فى مسجد رسول الله ومتتلمذا على أكبر فقهاء عصره الإمام ربيعة الرأى، حتى أصبح أحد أكبر مجددى الفقه الإسلامى وأحد واضعى أعمدته.

تستفيض كتب التراث والسيرة والتاريخ والتراجم فى وصف الإمام مالك معددة صفاته الشخصية والجسمانية، وتجمع على أنه رضى الله عنه كان مهيبا، على سمته وقار، وفى نبرات صوته ثقة وجلال، يحب طيبات الحياة ولا يرضى إلا بأن يكون فى كامل زينته حتى وقت فقره، متبعا فى ذلك عادة الإمامين «جعفر الصادق» و«أبوحنيفة النعمان» وكان يقول لتلامذته: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وإننى أحب أن أجلس لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا بكامل زينتى»، وبرغم علمه الكثيف ورأيه السديد وشهرته التى عمت الآفاق كان رحمه الله يتردد كثيرا فى الفتوى، وكان يكثر من الرد على فتاوى الناس قائلا: لا أدرى، حتى اشتهرت عنه تلك الكلمة التى كان يعلمها لتلاميذه قائلا لهم إن لم تستطيعوا الفتوى فقولوا لا أدرى: وروى عنه إنه قال ذات يوم مستنكرا ومتعجبا تدوين فتاواه: إنى بشر أخطئ وأرجع، وتكتبون كل ما أقوله!! ونهى تلميذا له عن كتابة فتواه قائلا: لا تكتبها فإنى لا أدرى أثبت عليها أم لا.

وروى عنه أنه كان يقول عقب كل فتوى يفتى بها، هذا ما أظنه، مرددا قوله تعالى: «إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين».

وكان برغم عدم ممالأته للملوك والأمراء كثير التردد عليهم، غير متخاذل ولا هياب، وكان إن دخل على والٍ أو أمير ولم يجد مجلسا ينادى عليه: أو أين يجلس شيخك، يا أمير المؤمنين؟ فيجيبه الخليفة: إلى جانبى يا أبا عبدالله، فيتخطى الناس حتى يصل إلى الخليفة، وحينما عاب تلاميذه عليه تردده على الملوك قال: يرحمكم الله، وأين التكلم بالحق، إن لم يكن عندهم؟ كما أنه كان ينهى عن مدح الأمراء والملوك والولاة، وذات مرة سمع ثناء من الناس فى مجلس الحاكم فالتفت إليه قائلا: إياك أن يغرك هذا وأمثاله بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، أوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك»، وكان كثيرا ما يردد حديث رسول الله: احثوا التراب فى وجوه المداحين، وعلى هذا كان الإمام كثيرا ما يغلظ القول للخلفاء والحكام، وحينما رأى أحدهم فى موسم الحج وقد ركب موكبا فخما وأحاطه الخدم وبدت عليه ظواهر الإسراف قال له: كان عمر بن الخطاب على فضله ينفخ النار تحت القدر حتى يخرج الدخان من لحيته وقد رضى الناس منك بدون ذلك، وقال لآخر: تفقد أمور الرعية فإنك مسؤول عنها فإن عمر بن الخطاب قال والذى نفسى بيده لو هلك جمل بشاطئ الفرات لظننت أن الله يسألنى عليه يوم القيامة، وكتب لخليفة آخر قائلا: احذر يوما لا ينجيك فيه إلا عملك وليكن لك أسوة بمن قد مضى من سلفك وعليك بتقوى الله.

ويحفظ التاريخ للإمام مالك كونه صاحب أول مؤلف فى الحديث والأثر والتفقه فى الدين، وهذا المؤلف هو «الموطأ» وفيه جمع الإمام أحاديث الرسول وبيانها وكان سبب وضعه أن يكون بمثابة الدستور أو القانون الذى يحكم به القضاة فى كل البلاد الإسلامية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن صاحب فكرة هذا الكتاب هو الخليفة العباسى أبوجعفر المنصور فيروى أنه قال للإمام ذات يوم: اجعل العلم يا أبا عبدالله علما واحدا، فقال له مالك إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا فى البلاد فأفتى كل فى مصره «أى فى بلده» بما رأى، وإن لأهل مكة قولا ولأهل المدينة قولا ولأهل العراق قولا قد تعدوا فيه طوركم، فقال فأما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم على أهل المدينة، فضع للناس العلم فقال له مالك إن أهل العراق لا يرضون علمنا فقال أبوجعفر يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط».

ويبدو أن الخليفة أبوجعفر المنصور كان قد ضاق من الإمام أبوحنيفة النعمان وعناده معه ورفضه أن يتولى القضاء فى عصره، كما بينا فى الحلقة الماضية، وهذا ما دفعه إلى اللجوء إلى الإمام مالك ليكتب «الموطأ» وليولى القضاء من يتبع مذهب مالك، لكن لم يكتب للمنصور أن يرى هذا العمل الكبير، فقد مكث الإمام مالك يكتب فيه ويدقق ويراجع ويحذف ويضيف أكثر من إحدى عشرة سنة «من سنة 148 هـ وحتى 159 هـ»، ويبدو أيضا أنه لم يكن يريد أن يخرجه وهذا ما وضح تهربه من الخليفة حينما طلب منه كتابته، ويدل هذا التلكؤ الذى اتبعه مالك فى إجابة الخليفة على بعد نظره، ذلك لأنه يعلم تمام العلم أنه هو ذاته ربما قد يخالف رأيا قال به أو فتوى أفتى بها، وهو ذات الشخص القابع فى ذات البلد والمتشبع بثقافته وحده، فما حال من يبعد عنه بآلاف الأميال وينهل من معين ربما لم يكن مالك ليسمع به؟!

وبرغم ما يظهر من الاقتباس السابق من محبة متبادلة وود قائم بين الخليفة العباسى أبى جعفر المنصور والإمام مالك، لكن هذا لم يمنع أن يتعرض الإمام لمحنة قاسية فى عهد ذلك الخليفة، كان سبب هذه المحنة رواية الإمام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس على مستكره طلاق» الذى يحل فيه رسول الله للواحد أن يتحلل من يمينه أو طلاقه لامرأته إذا ما تم إكراهه عليه وإجباره على تنفيذه، وقد روى مالك هذا الحديث وقت خروج الطالبى محمد النفس الزكية على الخليفة العباسى فرأى البعض أن هذا الحديث يحلهم من بيعة المنصور لأنه أخدها منهم مكرهين، فما كان من والى المدينة إلا أن يأمر الإمام مالك بالكف عن روايته، فلم يستجب الإمام وظل يرويه للناس، ليس دعما لـ«النفس الزكية» ولا كرها لبنى العباس، ولكن لأنه حديث رسول الله الذى لا يجب كتمان أحاديثه، فما كان من الوالى إلا أن يعتقل الإمام ليذيقه مر العذاب لعناده، ونال الإمام فى هذه المحنة الكثير من العنت والتنكيل والتعذيب، حتى أخرجه المنصور واعتذر له، ولعلنا نتأكد من هذه الواقعة الواردة بكل كتب أئمة السنة الثقات من أن الخلفاء العباسيين قد اتبعوا نفسه منهج الأمويين فى محاولة إخفاء بعض الأحاديث النبوية التى لا تأتى على هواهم، وإن كان الإمام مالك صاحب المكانة الرفيعة الذى لم يكن يهوى التحدث فى أمور السياسية ولا خلافاتها قد تعرض لكل هذا العنت والتعذيب والضرب بالسياط وخلع الأكتاف جراء رفضه لكتمان حديث، فما بالنا بمن هم دونه؟
ولقد اجتهد الإمام مالك بكل وسعه فى تحقيق ما عرف بعد ذلك باسم مقاصد الشريعة، ألا وهى حفظ الدين والعقل والمال والنفس والنسل، مستعينا على ذلك بالنصوص القرآنية والحديث الشريف متحصنا بمعرفة واسعة باللغة وأسرارها ومسترشدا بروح الإسلام السمحة الرحبة، ومتدبرا آيات القرآن ومعجزاته وأسباب نزوله وناسخه ومنسوخه، كما كان حريصا فى رواية الحديث وعلى الرغم من كثرة الأحاديث التى حفظها، لكنه لم يكن يحدث بكل ما يسمع، وقيل له ذات يوم إن أحد الفقهاء يحدث بما ليس عندك فرد قائلا: لو حدثت بكل ما عندى لكأنى إذن لأحمق، ثم أضاف: لقد خرجت منى أحاديث لوددت لو أنى ضربت بكل حديث منها سوطا ولم أحدث بها.

الأصل التالى عند مالك بعد كتاب الله وسنة رسوله التى كان يستعين بها بحسب ما أوردنا هو إجماع الصحابة، فكان ينظر إلى آثار صحابة رسول الله ويرى ما طرأ عليها من مستجدات لم تحدث فى عهد الرسول ثم يرى كيف كانوا يتصرفون، فلو أجمعوا على فعل صار عند الإمام كالسنة، وإن لم يجد فكان ينظر فيما هو معمول به فى المدينة من أعراف وعادات وتصرفات لأنها من وجهة نظره كانت مستوحاة من أخلاق الرسول وتصرفاته التى كان يتبعه فيها جيرانه بالمدينة، وإن لم يجد فى كل هذا ما يشفى صدره ويطمئنه للفتوى قاس ما استجد من أمور على ما استحدث منها، فإن تعارضت نتيجة قياسه مع مصلحة المسلمين أوجب الأخذ بالمصلحة، لأن الشرع كما علم الإمام وأيقن لم يأت إلى لتحقيق مصالح المسلمين ونمائهم.

وفى الحقيقة، فإن الفقه المالكى قد أعطى لمصلحة المسلمين كلمة عليا، فكان يرى أن الله تعالى لم ينزل التنزيل ولم يبعث الرسل إلا لمصلحة الناس الشخصية والعامة، وكان كثيرا ما يفتى بموجب هذه القاعدة التى كان لإعمال العقل فيها الدور الأكبر، بشرط أن يحدث اتفاق بين الناس على أهمية هذه «المصلحة» وأن تكون مقبولة عند ذوى العقول السليمة، أن يرتفع بها الحرج لقوله تعالى: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، وعلى هذا أفتى بجواز إمامة «المفضول» الذى يفضله الناس على الأفضل درأ للخلافات والفتن، متفقا فى ذلك مع رأى الإمام زيد بن على زين العابدين، كما أفتى فى حال خلو بيت مال المسلمين من المال وكانت الدولة فى حاجة للأموال أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم إلى أن يظهر مال فى بيت المال، مراعيا عدم إيغار صدر الأغنياء فى ذات الوقت، كما أفتى بأنه إذا استشرى فى الأرض أو فى ناحية منها «الحرام» وانسدت الطرق على المكاسب الطيبة فلهم أن ينالوا – كارهين – من بعض هذه المكاسب، وذلك دفعا للضرر وسدا للحاجة، مجيزا بذلك أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الدم وغير ذلك من الخبائث إن لم يكن منها بد.

كما أفتى مالك بناء على هذا التوجه بحق الزوجة فى الطلاق إذا لم ينفق عليها زوجها درءا للمفاسد، أو إن ظهر به عيب جسدى أو أخلاقى لم يكن ظاهرا وقت العقد، وأفتى أن «ديون الله أو الدولة» كالزكاة أو الضرائب لا تؤخذ من تركة المتوفى إلا إذا اعترف بها المورث قبل وفاته، حتى إذا ثبتت هذه الديون بأى طريق آخر من الإثبات، ذلك لأن ديون العباد مقدمة على ديون الله، لأن العباد والأفراد يضارون أكثر من الدولة، أما عن ديون الله كالزكاة فالله غفور رحيم، كما أفتى مالك بعدم جواز صيام «الستة البيض» ورفض الحديث المحرض على صيامها لأن فى ذلك إطالة لشهر رمضان وهو ما لا يجوز، كما أفتى بضرورة وضع ضوابط لحق الرجال فى الطلاق والزواج وتعدد الزوجات بحيث لا تضار الزوجة ولا الأولاد ولا تتأثر الأسرة التى تعد أساسا للمجتمع، كما أوجب الأخذ بالعادات إذا لم يوجد نص قطعى الدلالة قطعى الثبوت، مؤكدا أنه من الجائز اقتراف المحظورات إذا كان فيها دفع لمضرة أكبر، وانعكس هذا التوجه فى الفقه المالكى الذى يراعى المصلحة العامة والخاصة والذى يعلى من قيمة العقل ويعطى أهمية كبيرة للاجتهاد على بقاء المذهب وانتشاره، فصار مذهب مالك من أكبر وأهم المذاهب فى العالم الإسلامى، وعليه قامت ممالك، ومن أجله شنت حروب.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *